الفيض الكاشاني

341

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

* ( فصل ) * قال : « فإن قلت : فما فائدة الدّعاء والقضاء لا مردّ له ؟ فاعلم أنّ من القضاء ردّ البلاء بالدعاء ، والدّعاء سبب لردّ البلاء واستجلاب الرّحمة كما أنّ التّرس سبب لردّ السّهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض ، وكما أنّ التّرس يدفع السّهم فيتدافعان فكذلك الدّعاء والبلاء يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء اللَّه أن لا يحمل السلاح وقد قال اللَّه تعالى : « خذوا حذركم » ( 1 ) وأن لا يسقى الأرض بعد بثّ البذر فيقال : إن سبق القضاء بالنبات نبت ، بل ربط الأسباب بالمسبّبات هو القضاء الأوّل الَّذي هو كلمح البصر ، وترتّب تفصيل المسبّبات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر ، الَّذي قدّر الخير قدّره بسبب والَّذي قدّر الشّرّ قدّر لدفعه سببا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ، ثمّ في الدّعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنّه يستدعي حضور القلب مع اللَّه وهو منتهى العبادات ، ولذلك قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « الدّعاء مخّ العبادة » ( 2 ) والغالب على الخلق أنّه لا ينصرف قلوبهم إلى ذكر اللَّه إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمّة ، فالإنسان إذا مسّه الشرّ فذو دعاء عريض ، فالحاجة تحوج إلى الدّعاء والدّعاء يردّ القلب إلى اللَّه بالتضرّع والاستكانة فيحصل به الذّكر الَّذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكَّلا بالأنبياء ، ثمّ الأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل لأنّه يردّ القلب بالافتقار والتضرّع إلى اللَّه ويمنع من نسيانه وأمّا الغناء فسبب البطر في غالب الأمر فإنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى . فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار والدّعوات واللَّه الموفّق للخير وأمّا بقيّة الدّعوات في الأكل والشرب والسفر وعيادة المرضى فستأتي في مواضعها إن شاء اللَّه تعالى » . هذا آخر كتاب الأذكار والدّعوات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء ويتلوه إن شاء اللَّه كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء اللَّيل ، والحمد للَّه أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا .

--> ( 1 ) النساء : 70 . ( 2 ) مر عن الترمذي رواه في الجامع الصحيح ج 12 ص 266 .